مدونات أخرى 17 نيسان 2026 11 دقائق قراءة

الجهات والمؤسسات المهتمة برعاية الحيوانات الشاردة في سوريا

الجهات والمؤسسات المهتمة برعاية الحيوانات الشاردة في سوريا
مقدمة

منذ انطلاق الثورة في سوريا عام 2011، لم تقتصر تداعيات الحرب على البشر فقط، بل امتدت لتطال الكائنات الأضعف التي شاركتهم المعاناة: الحيوانات. فقد تسببت سنوات القتال والنزوح الجماعي في ترك أعداد هائلة من الحيوانات الأليفة في الشوارع، بعد أن فقدت أصحابها أو هجرها أهلها هرباً من القصف والدمار. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، ازدادت معاناة هذه الكائنات التي وجدت نفسها تائهة بين الجوع والمرض والخطر.

في خضم هذه الفوضى، بزغت شعلة أمل إنسانية نادرة، تمثلت في ظهور العديد من المبادرات التطوعية والجمعيات المستقلة التي آثرت ألا تقف مكتوفة الأيدي أمام مأساة صامتة. هذه الجهات، التي تعمل في ظل أصعب الظروف، كرست جهودها لإنقاذ الحيوانات الشاردة وتوفير الغذاء والعلاج والمأوى لها، معتمدة في ذلك على روح التطوع والتبرعات الفردية في غياب شبه كامل للدعم الحكومي أو المؤسسي.

📌 أبرز الجمعيات والمبادرات في سوريا

  1. جمعية SARA لإنقاذ الحيوانات

تُعد جمعية SARA (Syrian Association for Rescuing Animals) واحدة من أبرز وأشهر الجمعيات السورية المتخصصة في رعاية الحيوانات الشاردة. تأسست الجمعية في دمشق عام 2017 على يد سارة آني عرفلي وجولي جغنون, لتصبح أول منظمة سورية متخصصة في إنقاذ القطط والكلاب المهددة بالخطر.

تمتلك الجمعية ملجأً واسعاً يستضيف حوالي 1000 كلب و300 قطة، إضافة إلى حيوانات أخرى متنوعة. تقدم SARA مجموعة شاملة من الخدمات تشمل إنقاذ الحيوانات من الشوارع، تقديم العلاج البيطري المتخصص، توفير الغذاء والمأوى الآمن، بالإضافة إلى برامج التبني التي تهدف إلى إيجاد منازل دائمة لهذه الحيوانات. وقد حظيت الجمعية باعتراف دولي بانضمامها كعضو في التحالف الدولي لحماية الحيوانات (OIPA).

  1. الفريق السوري لإنقاذ الحيوانات STAR

يعد فريق STAR (Syrian Team for Animal Rescue) نموذجاً استثنائياً للمبادرة الشبابية التي تحولت إلى عمل مؤسسي. انطلق الفريق عام 2016 في منطقة صحنايا بريف دمشق على يد مجموعة من الشبان السوريين، بقيادة الناشطة هنادي المحتسب، التي بدأت مسيرتها بإيواء الحيوانات المصابة في منزلها قبل أن تتوسع الفكرة.

اليوم، يدير الفريق ملجأً في منطقة الصبورة جنوب غرب دمشق، تصل مساحته إلى نحو دونمين (2000 متر مربع)، يؤوي حوالي 1830 كلباً و816 قطة. وبفضل الجهود المضنية، تمكن الفريق خلال عام واحد فقط من مساعدة حوالي 400 حيوان. يقدم STAR خدمات الإنقاذ السريع، العلاج الطبي، عمليات التعقيم، والتبني المسؤول. كما يسعى الفريق إلى توسيع نشاطه ليشمل حملات توعية في المدارس والجامعات حول أهمية الرفق بالحيوان.

  1. جمعية بيت الحيوان الأليف – حمص

في مدينة حمص، التي عانت من ويلات الحرب بشكل خاص، برزت مبادرة إنسانية فريدة أسستها الناشطة آية بكور تحت اسم "جمعية بيت الحيوان الأليف". انطلقت المبادرة بشكل فردي لإنقاذ القطط والكلاب المصابة في الشوارع، ثم تطورت لتصبح جمعية منظمة.

تعمل الجمعية على علاج الحيوانات المصابة، إيواء الحالات الحرجة، ونشر الوعي حول الرفق بالحيوان. وفي خطوة لافتة، أطلقت الجمعية مؤخراً بالتعاون مع مجلس مدينة حمص حملة لجمع الكلاب الشاردة من عدة أحياء، شملت الوعر والأرمن والزهراء، في محاولة لتنظيم التعامل مع هذه الظاهرة وتعزيز السلامة العامة.

  1. محمية "بيت القطط" (محمية أرنستو) – إدلب

في شمال سوريا، وتحديداً في محافظة إدلب، تأسست محمية "بيت القطط" أو محمية أرنستو عام 2016، لتكون من أول المحميات المخصصة للقطط في سوريا. تشرف على المحمية مجموعة من المتطوعين، وتضم اليوم أكثر من 2500 حيوان، مما يجعلها ملجأً حيوياً يوفر الرعاية والأمان للقطط التي فقدت أصحابها خلال سنوات الحرب.

حظيت المحمية بدعم دولي، حيث قدمت لها منظمة IFAW (الصندوق الدولي لرعاية الحيوان) منحاً طارئة ساعدت في استمرار عملها وسط النزاع. كما ساهم فريق المحمية في تقديم رعاية بيطرية واسعة في عدة مدن سورية، شملت اللقاحات، التعقيم، وعلاج الجروح والأمراض.

  1. مؤسسة رفق لإنقاذ الحيوانات – حلب

تعمل مؤسسة "رفق" في حلب منذ أكثر من عشر سنوات على إنقاذ الحيوانات المصابة والمشردة، وتوفير الرعاية لها في مركز متواضع لكنه مليء بالرحمة. وقد تعرض الملجأ لأضرار جسيمة خلال الهجوم على حلب أواخر عام 2024، لكن بدعم من منظمة IFAW وStichting CatConnect، تم إجراء إصلاحات ضرورية أعادت الحياة إلى المكان.

  1. مبادرات فردية: نموذج "رجل القطط الحلبي"

إلى جانب الجمعيات المنظمة، تنتشر في سوريا مبادرات فردية تجسد أسمى معاني التضحية والإنسانية. ولعل أبرزها قصة محمد علاء الجليل، المعروف بـ "رجل القطط الحلبي". بدأ الجليل، وهو سائق سيارة إسعاف في الأربعينيات من عمره، رحلته مع إنقاذ القطط منذ طفولته، حيث كان يشتري بقايا اللحم الرخيص لإطعام القطط المشردة.

مع اندلاع الحرب، حوّل منزله في حلب إلى محمية للقطط، وتمكن من إنقاذ ورعاية أكثر من 170 حيواناً ضالاً. ورغم تعرض محميته للقصف والتدمير عام 2016، لم يتوقف عن عمله الإنساني. بعد زلزال فبراير 2023 المدمر، قاد الجليل وفريقه جهوداً لإنقاذ نحو 40 قطة من تحت الأنقاض في بلدة جنديرس بريف حلب. يقول الجليل عن عمله: "القطط والحيوانات هي أرواح أيضاً وبحاجة إلى المساعدة والإنقاذ خلال الكوارث والأزمات". قصته الملهمة انتشرت في وسائل الإعلام العربية والعالمية، مما ساهم في حشد الدعم لقضية رعاية الحيوان في سوريا.

📌 الخدمات التي تقدمها هذه الجهات

📌 تتنوع الخدمات التي تقدمها جمعيات رعاية الحيوانات في سوريا، وتشمل

  1. إنقاذ الحيوانات من الشوارع: نقل الحيوانات المصابة أو المهجورة إلى ملاجئ آمنة، والاستجابة السريعة لبلاغات الإنقاذ.
  2. الرعاية البيطرية: وتشمل علاج الأمراض والإصابات، تقديم اللقاحات، وإجراء عمليات التعقيم للحد من التكاثر غير المنضبط.
  3. توفير المأوى والغذاء: إنشاء ملاجئ ومحميات للحيوانات التي لا يمكن إعادتها إلى الشارع، وتأمين الرعاية اليومية لها.
  4. برامج التبني: البحث عن عائلات تتبنى الحيوانات بدلاً من تركها في الشوارع، مع متابعة ما بعد التبني لضمان حياة كريمة للحيوان.
  5. التوعية المجتمعية: نشر ثقافة الرفق بالحيوان ومكافحة ثقافة العنف ضد الحيوان التي تفاقمت بفعل الحرب والضغوط الاقتصادية.

⚠️ التحديات التي تواجه هذه الجمعيات

📌 تعاني هذه الجهات في سوريا من عقبات جسيمة تهدد استمراريتها

· نقص التمويل والتبرعات: تعتمد معظم الجمعيات بشكل شبه كامل على التبرعات الفردية والدعم الدولي المحدود، في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

· غياب التشريعات الداعمة: لا يحوي القانون السوري أي بنود تهتم بحقوق الحيوانات الأليفة، فالقوانين تقتصر على الثروة الحيوانية كالأبقار والأغنام. وهذا يترك الجمعيات في منطقة رمادية قانونياً، كما حدث مع جمعية STAR التي واجهت تهديدات بالإغلاق.

· سياسات حكومية قاسية: في غياب القوانين الحامية، تلجأ البلديات إلى وسائل وحشية للتعامل مع الحيوانات الشاردة، مثل التسميم والقتل. ففي عام 2017 وحده، قتلت محافظة دمشق 800 كلب شارد، وصرح مسؤولون رسميون باستخدام سم "اللانيت" لقتل الكلاب.

· قلة الملاجئ المجهزة: ارتفاع أعداد الحيوانات الشاردة يفوق بكثير قدرة الملاجئ الحالية على الاستيعاب.

· صعوبة تأمين الأدوية والخدمات البيطرية: بسبب الحصار والعقوبات وتدمير البنية التحتية.

· التهديدات الأمنية: تعرضت العديد من الملاجئ للقصف والتدمير، كما حدث لمحمية "رجل القطط" في حلب وملجأ رفق.

· رفض بعض السكان: يواجه وجود الملاجئ في بعض المناطق معارضة من السكان، مما يضيف ضغوطاً إضافية على القائمين عليها.

📌 أهمية هذه الجمعيات للمجتمع

لا يمكن المبالغة في تقدير الأهمية الحيوية لهذه المؤسسات، فوجودها يحقق آثاراً إيجابية متعددة:

· حماية الكائنات الضعيفة: إنقاذ الحيوانات من الجوع، المرض، والعنف، ومنحها فرصة لحياة كريمة.

· الصحة العامة: الحد من انتشار الأمراض التي قد تنتقل بين الحيوانات والبشر.

· السيطرة على التكاثر: عبر عمليات التعقيم، مما يقلل من أعداد الحيوانات الشاردة على المدى الطويل.

· نشر ثقافة الرحمة: تعزيز قيم الرفق بالحيوان في مجتمع أنهكته الحرب والعنف.

· دعم العمل التطوعي: خلق مساحات للعمل الإنساني التطوعي وتعزيز التماسك المجتمعي.

· بناء هوية إنسانية: كما قالت هنادي المحتسب: "نحن نؤمن بأن الرأفة بالحيوان انعكاس للرقي المجتمعي.. وما دام فينا عطف على الضعفاء، فثمة أمل لسوريا أكثر رحمة".

📌 الخلاصة

في خضم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب في سوريا، برزت بصيص من الأمل تجسدت في جهود جمعيات ومبادرات تطوعية كرست نفسها لإنقاذ الكائنات الأكثر ضعفاً: الحيوانات الشاردة. من جمعية SARA وSTAR في دمشق، إلى محمية أرنستو في إدلب، وجمعية بيت الحيوان الأليف في حمص، ومؤسسة رفق في حلب، والمبادرات الفردية الملهمة كقصة "رجل القطط الحلبي"، تثبت هذه الجهات أن الإنسانية لا تموت حتى في أحلك الظروف.

ورغم التحديات الجسيمة التي تواجهها، من نقص التمويل إلى غياب التشريعات الداعمة والتهديدات الأمنية، تواصل هذه الجمعيات عملها بصمت وإصرار، معتمدة على التبرعات والعمل التطوعي. إن قصتها ليست مجرد حكايات عن إنقاذ حيوانات، بل هي شهادة على قدرة الروح الإنسانية على الصمود والعطاء، ودعوة مفتوحة للمجتمع الدولي والأفراد لدعم هذه الجهود النبيلة، فرفق الإنسان بالحيوان ليس ترفاً، بل مرآة تعكس رقي المجتمعات وإنسانيتها.

مقالات ذات صلة

التقارير غير المالية
مدونات أخرى 17 نيسان 2026

التقارير غير المالية

التقارير غير المالية هي تقارير تصدرها المؤسسات والشركات لعرض أدائها في الجوانب البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، إلى جانب مساهماتها في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية، دون التركيز على النتائج المالية فقط.

أثر المسؤولية المجتمعية على سمعة الشركات
مدونات أخرى 17 نيسان 2026

أثر المسؤولية المجتمعية على سمعة الشركات

المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR) لها تأثير كبير في تعزيز سمعة الشركات وبناء صورة إيجابية لدى العملاء والمستثمرين والموظفين والمجتمع، وذلك من خلال التزامها بالممارسات الأخلاقية والمساهمة في التنمية المستدامة.